علي بن محمد البغدادي الماوردي

337

أدب الدنيا والدين

الوجوه » فقال معناه من أحسن الوجوه التي تحل . والثالث أن يأتي في تقدير مادته وتدبير كفايته بما لا يلحقه خلل ولا يناله زلل فإن يسير المال مع حسن التقدير وإصابة التدبير أجدى نفعا وأحسن موقعا من كثيرة مع سوء التدبير وفساد التقدير كالبذر في الأرض إذا روعي يسيره زكا وإن أهمل كثيره اضمحل . وقال محمد بن علي رضي اللّه عنه : الكمال في ثلاثة : العفة في الدين والصبر على النوائب وحسن التدبير في المعيشة . وقيل لبعض الحكماء فلان غني فقال : لا أعرف ذلك ما لم أعرف تدبيره في ماله فإذا استكمل هذه الشروط فيما يستمدّه من قدر الكفاية فقد أدّى حق المروءة في نفسه . وسئل الأحنف بن قيس عن المروءة فقال : العفة والحرفة . وقال بعض الحكماء لابنه : يا بنيّ لا تكن على أحد كلا فإنك تزداد ذلا واضرب في الأرض عودا ، ولا تأسف لمال كان فذهب ولا تعجز عن الطلب لوصب « 1 » ولا نصب « 2 » فهذا حال اللازم . وقد كان ذوو الهمم العلية والنفوس الأبية يرون ما وصل إلى الإنسان كسبا أفضل مما وصل إليه إرثا لأنه في الإرث في جدوى غيره وبالكسب مجد إلى غيره وفرق ما بينهما في الفضل ظاهر . وقال كشاجم : لا أستلذ العيش لم أدأب له * طلبا وسعيا في الهواجر « 3 » والغلس « 4 » وأرى حراما أن يؤاتيني الغنى * حتى يحاول بالعناء ويلتمس فاصرف نوالك عن أخيك موفرا * فالليث ليس يسيغ إلّا ما افترس وأما الندب فهو ما فضل عن الكفاية وزاد على قدر الحاجة فإن الأمر فيه معتبر بحال طالبه فإن كان ممن تقاعد عن مراتب الرؤساء وتقاصر عن مطاولة النظراء وانقبض عن منافسة الأكفاء فحسبه ما كفاه فليس في الزيادة إلّا شره ولا في الفضول الا نهم وكلاهما مذموم . وقد قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « خير

--> ( 1 ) لوصب : لمرض . ( 2 ) نصب : تعب . ( 3 ) في الهواجر : جمع هاجرة ، وهو وقت نصف النهار . ( 4 ) والغلس : بفتحتين ظلمة آخر الليل .